أصدقاء القصة السورية  

الصفحة الرئيسية / خريطة الموقع / بحث / ضيوفنا / الكاتب / سجل الزوار

 

جمعية شام أصدقاء اللغة والثقافة العربية السورية - فرنسا

 

 / أغاني وأشعار لآية / أعياد ميلاد آية / صور آية / الكتاب الذهبي لآية

الرواية / القصة / المسرح / الشعر / الخاطرة / أدب الرسائل / المقالة / حكايات آية

للاتصال بنا

يحيى الصوفي في كنول من غوغل

Youtube  يحيى الصوفي في

facebook يحيى الصوفي في

جديد الموقع

 

 

 

السابق أعلى

التعديل الأخير: 15-02-13

       

المسرح - مسرحية من فصل واحد

       

الوردة الجورية الحمراء

       
       
       
       
       

لقراءة التعليقات

 
 

 

 

 

 

الوردة الجورية الحمراء

 

المشهد الأول:

 

شارع من شوارع جنيف... الوقت قريب منتف النهار والشارع هادئ بعض الشيء... والطقس جميل والشمس مشرقة... والمقاهي قد فرشت مقاعدها على الرصيف.

رجل في عقده الخامس يبدو عليه ملامح الإرهاق يمشي ببطء... إلى قربه فتاة في عقدها الثاني، متوسطة القامة وثيابها بسيطة وجميلة وألوانها هادئة... يبدو على وجهها مسحة حزن لا تخفى على أحد... تنظر إلى واجهة المحلات الكبيرة الأنيقة بشيء من اللامبالاة.

الرجل: (يتوقف قليلاً... يلتفت إلى الفتاة بإشفاق... يحاول أن يشغلها بالحديث ريثما يعبرا بائع الأزهار) هل تعرفين يا ابنتي بأنني أتمنى أن أتناول طعامي في المطعم العائم هناك، القائم على ضفاف البحيرة، تصوري أنني وكلما عبرت جسر "مون بلان" ( الجبل الأبيض) تصعد إلى أنفي رائحة السمك المشوي، إنه يقدمه بطريقة خاصة جداً، تذكرني بالسمك المشوي هناك على شاطئ البحر... في الوطن !؟.

الفتاة تحاول أن تحبس الدموع في عينيها... لا تستطيع...تسيل عبراتها الدافئة على خديها بسرعة... ترتجف... تحاول أن تخنق بكائها في صدرها... لم تستطع... تشهق بسرعة... تهز رأسها موافقة أبيها على كلامه... تخبئ وجهها بيديها من المارة الذين أثارهم منظرها الحزين... يلفها أباها بيديه الكبيرتين ليحتضنها... يأخذ رأسها بيده اليمنى إلى صدره وهو يقول

الأب: تبكين يا ابنتي... تبكين يا حنان... مرة أخرى تبكي وقد وعدتني آلا تفعلي هذا... رأيتها أليس كذلك ؟... رأيت الوردة الجورية الحمراء ؟.

حنان: (لم تستطع أن تمسك نفسها عن البكاء)... (تبكي)... (صمت)... نعم يا أبي رأيتها.

الأب: إنها على كل حال وردة جميلة كبقية الورود... يشترونها الناس ليزينوا بها الردهات وموائد الطعام.

حنان مقاطعة: إنهم يزينون بها المقابر أيضا يا أبي ؟.

الأب: نعم... نعم يا ابنتي... يزينون بها الموائد والمقابر... الم تنسي بعد ذلك اليوم المشئوم ؟.

حنان: أنساه يا أبي... كيف أنساه وأنا لم استطع أن أودع أمي كما يفعل كل الناس ؟... أن أضع الأزهار على قبرها... والوردة الحمراء... الوردة الجورية التي تحبها أمي... لم استطع أن أرافقها بها إلى مثواها الأخير... رحلت وحيدة... وحيدة يا أبي.

الأب: كان يوماً قاسياً على كل حال، والقنص لم يرحم أحداً... وشظايا القنابل الكثيرة تتطاير في كل مكان... كان الأحسن أن تلزمي البيت، وأن أرافقها إلى مثواها الأخير لوحدي... لا تعتبي نسيت الأزهار... والورود... نعم... أنت تعرفين كم هي صعبة أن تتذكري كل شيء... وفي ذلك اليوم الصعب... الصعب جداً... رحمها الله.

حنان: (هدأت بعض الشيء... وهي تحاول أن تتخلص من أباها وتمسح دموعها)... رحمها الله.

الأب: (يحاول أن يأخذ بيدها... تتوقف حنان ثانية... تنظر إلى الورود والأزهار بتأمل وشغف... يحاول أباها أن يخاطبها... يتردد... يتوقف... يتركها لحظة ... يعود إليها وهو يقول) تعالي... تعالي يا ابنتي.

تسير حنان برفقته... تتوقف ثانية... تحاول أن تجمع شعرها بيديها الاثنتين ليعود كما كان.

الأب: يا ابنتي تعالي... تعالي... لا تغرقي نفسك في متاهات الأيام المظلمة التي عرفتها، ولا تبحثي عن الحلول والسلوى... لا يهم... لا يهم كل ما يجول في بالك من خواطر... لا يهم في هذا العالم من تكوني... ومن أي بلد أنت قادمة مهجرة... مئات الناس مثلك يتحركون فوق هذه الأرض الغريبة يبحثون عن الأمان بعيداً عن الخوف والقتل.

حنان: (وقد عاد إليها هدوءها ثانية... تنظر إلى أبيها... تتوقف أمام أحد مقاهي الرصيف تلقي بنفسها على أحد المقاعد القريبة) اجلس يا أبي لنرتاح قليلاً... أنا أعتذر... فلقد تصرفت كالحمقى أمام الناس.

الأب: (وهو يتناول احد المقاعد يجلس بهدوء... يحاول أن يجمع نظره بنظرات ابنته التي تحاول أن تتحاشاها) أبداً يا ابنتي ... ولكن أكثر ما يحزنني أن تكوني هكذا باستمرار... خائفة حزينة.

حنان: ولكن يا أبي لم استطع أن أتخلص منه... لم استطع... ذلك الخوف كامن في جسدي ... في قلبي ها هنا... إنه يسكن في كل خلية من خلايا بدني... يمسك علي أطرافي ... أبت أن تساعدني... البارحة... أتذكر البارحة يا أبي عندما مددت يدي إلى ذلك الشاب لأصافحه ؟... شعرت وكأنها كتلة حجر ثقيلة تتحرك نحوه... لم تستطع أصابعي أن تلتف حول كفه الأملس... لم تستطع عينتاي أن ترى عيناه الباسمتين كعادته... لم استطع أبداً !!!... هل يمكن أن يحدث هذا يا أبي ؟... هل يمكن أن ينقلب الإنسان إلى كتلة صلبة خالية من كل شيء ؟... حتى من المشاعر.

الأب: إنه ابن عمك على كل حال... وهو لطيف للغاية ... لا أعرف كيف تصرفت معه هكذا ؟... لقد بدا لي منزعجا عندما ابتعدت عنه وأنت بهذه الحالة السيئة... دائماً !؟.

حنان: الخوف... أتعني الخوف حالة سيئة وأنت تدرك أكثر مني بأن الجدران... الجدران الصامتة أبداً هي التي وشت بأخي... نسيت كيف تسلقوا الجدران... طوقوا البيت واختطفوه من بيننا... نسيت ذاك الصباح المظلم البارد... نسيت بكائنا... موت أمي... نسيت قهقهة الجدران الصامتة أبداً... نسيتها وأنت الذي أشرفت على بنائها حجراً حجراً !؟... هل يسامحني أخي الميت أبداً... العائش أبداً... القابع في مكان ما... بارد تحت الأرض !؟... هل تسامحني أمي... أمي يا أبي التي بكت أخي حتى ماتت... نسيت مذلتها تلعق أحذية الرجال الأقوياء أبداً ... القادرون على فعل كل شيء أبداً... أبداً ؟.

الأب: يا ابنتي... يا ابنتي... صمت.

حنان: اعرف يا أبي... اعرف ماذا تريد أن تقول... سواء امسك البكاء الكلام عنك أم... (صمت)... أبي ... أتبكي حقا يا أبي ؟.

الأب: (وهو يحاول أن يخفي دموعه) انس ذلك الماضي يا ابنتي...أنت تعيشي خارج كل تلك الآلام... عيشي سعيدة... أنا فعلت كل هذا لأجل أن تعيشي سعيدة وتنسي ما حدث... أنت في جنيف يا ابنتي ... في بلدة السلام ... بعيدة عن القتل... بعيدة عن الكره.

حنان: جنيف... كم حلمت بها... وها آنذا مقيمة فيها... ولا من متعة في رؤيتها ولا من اطمئنان... ظلموها عندما قالوا عنها بأنها ملجأ الهاربين من الظلم... فهي مليئة به... مليئة بالعيون الباحثة عن قربان جديد لسيد القصر... ها أنذا لازلت خائفة أن أتكلم عنه... لقد اسكن الرعب في نفسي طيلة أعوام ثلاثة قاسية ومريرة... كيف تستطيع إنسانة مثلي تحمل حزن سنوات القهر الطويلة أن تمرح ؟... وتنسى ... أكون بلا ضمير ولا مذهب أن فعلت هذا.

الأب:... يا بنتي.

حنان: دعني يا أبي... لقد كرهت جنيف... كرهت الشوارع النظيفة... الحدائق العامرة بشتى أنواع الزهور... بمئات القادمين... المغادرين.... حقائب... حقائب... عربات كثيرة... مطاعم كثيرة وخدم... ملصقات عن احتفالات وألعاب وأعياد... عشرات المجانين يعزفون... يرقصون... وكلاب وفقراء وعبيد... سئمت رؤيا الوجوه الشابة كابن عمي الهاربة من الموت... لماذا يهرب الإنسان من الموت إذا كان الموت قدره ؟ وقد علمتني بأن الحذر لا يمنع القدر... قلي يا أبي لماذا ؟.

الأب: أن يهرب الإنسان من الموت مثلنا يا ابنتي حبا بالحياة، وأملاً بالعودة لبناء الوطن من جديد... وصحيح بأن الحذر لا يمنع القدر... ولكن الحذر قد يكون -في بعض الأحيان- جزء من القدر.

حنان:... تهز رأسها... أشكرك يا أبي على تلك الثقة... أشكرك لأنك تعلمني الصبر... وتهبني وفي كل يوم جديد من خوفك كل أمان... ومن ضعفك كل قوة... أشكر عطائك لي يا أبي... إنني أبداً لن أنساه... وهل بعد أن يعطي الإنسان من ضعفه قوة عطاء ؟... لا أظن... لا أظن.
 

 

***

 

المشهد الثاني: نفس المكان في المقهى

 

يقترب نادل المقهى يسأل بالفرنسية: ( سيدتي، سيدي، نهاركم سعيد،... هل تريدون طلب الشراب.؟ )

الأب: ( نعم من فضلك،... واحد قهوة لي ) يلتفت إلى ابنته ( هل تأخذين القهوة مثلي.؟ )

حنان: تهز برأسها ( من فضلك)

الأب: ( اثنين قهوة من فضلك )

ينصرف النادل... يصحح الأب من جلسته السابقة ... يتفقد علبة السجائر في جيوبه ... يبدو من حركاته بأنه منزعج لأنه لم يجدها ... ينهض من مكانه

الأب: ( سأتركك قليلا لاشتري علبة سجائر .!) يتحرك ببطء داخل المقهى وهو يتمتم بعبارات غير مفهومة تعبيرا عن امتعاضه من نسيانه لأشيائه الخاصة باستمرار.

 

***

المشهد الثالث: نفس المكان

 

شاب اسمر وسيم أنيق يبتسم للمارة ... يستوقف فتاة شقراء ... يحيها ... يقبلها على الخدين كمن سبق أن عرفها ... تبتسم الفتاة له وهي تحاول أن تتخلص منه وهي تعتذر بأنها لم يسبق أن عرفته من قبل ... يعتذر هو الآخر على انه تصور بأنه يعرفها ... يبتسم بشدة وهو يحرك يديه بطريقة طريفة ... تضحك حنان من المشهد ... يقترب الشاب من طاولة حنان يحيها

الشاب: بالفرنسية ( نهارك سعيد ...) وهو يشير إلى المقعد ( هل المقعد خال.؟ )

حنان: تعود إلى وضعها السابق متهجمة وترد بعصبية بالفرنسية ( لا.! )

يقف الشاب مرتبكا مترددا لا يعرف كيف سيرد على هذه الفتاة الجميلة ... لقد تصور بأنها كانت تبتسم له .

يعود الأب وهو ينزع عن علبة السجائر غلاف النايلون... يحيى الشاب باحترام ويحرك حاجبيه مستغربا وقوفه مرتبكا بهذا الشكل ... ينظر إلى حنان ... يعود بنظره إلى الشاب ... يبتسم وهو يقول

الأب: بالفرنسية ( تفضل بالجلوس.)

الشاب: بالفرنسية ( آه... نعم ..) وهو يشير إلى المقعد الفارغ  ( غير مشغول ... شكرا جزيلا...)

يجلس الشاب ... يجلس الأب ... تنظر حنان إلى أباها بعتب.!

الأب: موجها حديثه لحنان ( إنني أتضايق جدا من نسياني لأشيائي ... لماذا لا تذكرينني بسجائري يا حنان.؟ )

حنان: لا تجيب ( صمت )

الشاب: بفرح يتكلم العربية وهو يشد على مقاطع حروفها ( انتم عرب؟... ) ودون أن ينتظر جوابهم (مرحبا ... مرحبا بكم ... العرب كلهم إخواني ...آني من المغرب العربي ... وانتم.؟ )

الأب: يلتفت إلى الشاب وهو يبتسم ( نحن من لبنان )

الشاب: بلهجة مغاربية ( بالحق... من لبنان... بيروت ... الكلاب الصهاينة يقتلوا اللبنانيين هناك والعرب يتفرجون... بالله عليك شوف ... شوف أحنا مئة وخمسون مليون ما نقدر نعمل حاجة ... أحنا بالجزائر حاربنا الفرنسيين .... قتلوا مليون جزائري... الجزائر بلد المليون شهيد ... أهلا ... أهلا ... آني بحزن لما نسمع الصهاينة يقتلوا بالشعب اللبناني ... شوف ... شوف بالله عليك بلد الحرية والثقافة والحضارة يقتلوها ... ويفجروها والعالم يتفرج.؟؟؟)

الأب: يهز برأسه وهو يلتفت إلى الشاب بهدوء ( الخطأ كان خطأنا منذ البداية،... لم نتدارك الفوارق الشاسعة التي حصلت مابين طبقات الشعب نتيجة النهضة الواسعة التي حصلت في لبنان، فلبس الفقير ثوب الاشتراكية في حين تمسك الغني بأملاكه الواسعة التي تعب في تحصيلها،... وتداخلت الأمور بعد ذلك مع دخول الدول الكبرى المعركة فاختلطت الأوراق... وأوراقنا صعبة جدا يا بني.!)

الشاب: ( تريد أن تقول بان الحرب بين غني وفقير.؟) وقبل أن ينتظر الجواب (صحيح ... صحيح الصهاينة الكلاب بدن يحتلوا لبنان ... نعرف ... نعرف بدن ينقلوا المصانع والشركات والبنوك إلى بلادهم الميتة ... شعلوا نار الفتنة واستفادوا من الحرية ... لكن ما يقدروا ... الشعب اللبناني بطل... والله ... والله آني بحب الشعب اللبناني ... انتم ناس طيبين جدا ... أنا عندي أصحاب بالجامعة من لبنان يتكلمون كثيرا عن الحرب ... الكلاب الصهاينة يكرهوننا ويقتلوا بأهلنا ... إحنا في الجزائر بقي الفرنساوي مية وعشرين سنة ...طلعناهم ... الصهاينة عندهم ثلاثين سنة فقط في فلسطين ... الشعب الفلسطيني بطل ...نعرف كتير ناس بالجامعة من فلسطين ... الفلسطينيين أبطال،... وسينتصروا ... نعرف ... نعرف... الصهاينة يحبوا ياخدوا بلادنا لأنه فيها خيرات كتير ... عيونهم على النفط... نعرف ...نعرف...وربي ما يقدروا يعملوا حاجة ... نحن شعب نصبر ... ولكن ناخد حقنا ولو بعد مية عام.؟؟؟!!!)

الأب مترددا وكأنه شعر بأنه لا يستطيع أن يتابع مع هذا الشاب المتحمس فهو يأخذ الأمور ويحللها ويجيب عليها بسرعة ... يبتسم ... يشعل سيكارة يمصها بعمق وينفثها وكأنه ينفث هموم العالم كله.

 

***

المشهد الرابع:

 

نفس المكان يقترب النادل وهو يضع القهوة على الطاولة مع فاتورة صغيرة يدفعها تحت صحن السجائر،... يتوجه إلى الشاب بالسؤال

النادل: بالفرنسية ( سيدي هل ترغب بالشراب؟ )

الشاب: بالفرنسية ( قهوة من فضلك )

النادل: بالفرنسية ( حاضر بدون تأخير)

يذهب النادل... ينشغل الأب وحنان بتحلية القهوة وإفراغ علب الحليب الصغيرة فيها

الشاب: ... يحرك يده ورأسه بشكل يوحي بأنه يريد أن يقول شيئا ... يتردد... يصلح من جلسته... يبدو انه شعر بتسرعه ... يلتزم الصمت.

حنان: تنظر إلى الشاب لأول مرة ... ترد نظرها عنه باتجاه أبيها ... تتناول فنجان القهوة لترشف منه قليلا ( أبي ... لا تنسى أن تشتري الجرائد ... عمتي تنتظرها كل يوم بشغف لتقرا أخبار الوطن.)

الأب: ( تولي الأمر عني اليوم يا حنان، أرجوك.)

الشاب: يقتحم الحديث كعادته ( اسمي بلقادر... أنا أتشرف بمعرفتكم ...اسمحوا لي راهو أنا ما بعرف نهدر بالعربية زيكم... نتكلم شوي فصحى.!)

الأب: ( لا يهم يا بني، اللغة وسيلة للتعبير وطالما انك تستطيع أن تعبر فبأي لهجة كانت نسمع.)

بلقادر: (أنا اشكر لطفك وسعة صدرك .) يلتفت إلى حنان ( أحسدك على أباك... أنا بعرف كتير من بلاد الشام، من سوريا ولبنان وفلسطين، ناس يمتازوا بالثقافة والهدوء، وأنا أحبهم جدا.!) موجها حديثه للأب ( وصدقني يا عم نحن في الوطن العربي نعيش حالة واحدة ،... الجميع يحاربوننا، الجميع يدفعوننا للهجرة من اوطاننا.)

حنان: مستغربة ( ولكن نحن هجرنا غصبا عن أنوفنا.؟ )

بلقادر: يقطع الحديث (أنا اعرف كيف ينظر الناس إلينا ... وكيف يلصقون بنا صورة الإنسان الذي لا يعرف اللباقة أو الأدب أو الاحترام، أنا اعترف لربما كان هناك البعض سيء ولكن لسنا جميعا كذلك .!؟)

حنان: ( وهل تستطيع أن تنكر ما رأيتك تفعله منذ قليل؟)

بلقادر: (لي عذري يا انستي فانا لا افعل ما أنا به، ولكن افعل ما يحبون وما علمونني هم إياه، أنا مثلا لا افعل هذا في بلدي، وعندما كنت عاقلا خسرت كل أصحابي، لا احد يريد أن يعترف بالعقل .؟!... والناس هنا يحبوا المجانين،... وأنا اجن معهم بعض الوقت لارتاح من اسري ومن هجرتي،... أنا أيضا ككل الذين تلتقيهم،... مهجر،! ...ولكن بأسلوب مختلف، نحن نهاجر أيضا غصبا عن أنوفنا،... تحت ضغط الكبت والأسر والحرمان، ولبنان عندما كان حرا يعيش حالة ديمقراطية فريدة كان الجميع متمسكون به ويبنون به، ولان تهجير المواطن مسالة صعبة في هذه الحالة اخترعوا له الحرب،... فهجروه وسرقوا وطنه وحضارته وديمقراطيته رغما عنه.! )

ثم تابع ( فالهجرة واحدة والأسباب تختلف، وكما تحنين للوطن احن إليه، وكما فقدت من اهلك فردا فقدت من أهلي فردا )

حنان: مقاطعة وكأنها تفاجئت (وهل قتل احد من أفراد عائلتك.؟)

بلقادر: ( لم يقتلوا بالفعل، ولكن هم ميتون، أنا من وجهة نظري الإنسان الذي لا ينتج ميت... وأصعب من الموت أن تعيشي وأنت غير قادرة على أن تفعلين شيئا، والإنسان تواق لان يفعل ما يبرز ذكائه وأحلامه وطموحاته ويترك بصمته الخاصة به ويأخذ حقه من الحياة ومن نجاحه فيها.)

حنان:تنظر إليه بإعجاب ( لم أكن أتصور هذا. ؟!)

الأب: وقد انبسطت أسارير وجهه لان حنان تناست كآبتها ( أن بلقادر على حق يا ابنتي فانا أثق بكم، بالشباب جميعا، لأنهم باتوا يدركون الكثير من الحقائق الغامضة وهذا يلغي الكثير من المسافات مابين شاب عربي من هنا وشاب عربي آخر من هناك.)

بلقادر: يقتحم الحديث مرة ثانية ( أصعب شيء يعاني الإنسان منه انه يعلم بان له أب أو أخ أو أم وأصدقاء أحياء يرزقون ولكن لا يستطيع أن يكلمهم أو يساعدهم أو يدافع عنهم، وهذا ما يزيد الهجرة ألما وكآبة وحزنا،... صدقني يا عم ... صدقيني يا آنسة إن هجرتنا أصعب بكثير،... وإذا كان عندكم أمل بعد شهر فلسنا على أمل حتى ولو بعد عام، وعندما يعود احدنا إن استطاع لا يجد أباه ولا أخاه ولا أمه ولا أصحابه وتستمر هجرته مرة ثانية بشكل أو بآخر وفي وطنه هذه المرة.!)

حنان: ( يبقى لديكم أمل بان تعودوا وتجدوا أحدا.! )

بلقادر: ( نعم نجد أحدا، ولكن غريبا ليس كما تركناه، فالأسر يعلم الإنسان السرقة والكذب والنفاق.)

الأب يهز برأسه موافقا

بلقادر: (إن هجرتنا محاولة لكي نمنع عن أنفسنا السقوط.!)

حنان: ( ولكن هذا ليس حلا.!)

بلقادر: (هناك حلا .... أن نتوجه إلى الصحراء ونبحث عن تربة طرية نستطيع أن ندفن رؤوسنا بها،... المليئة بكل شيء .!؟)

حنان: تبتسم ( أتسخر.؟)

بلقادر: ( وهل بعد حالنا من سخرية .؟!) يلتفت بطريقة مسرحية باتجاه الشارع ، تظهر فتاة جميلة تبتسم له وتحييه

بلقادر: بالفرنسية ( يوم سعيد ) ينهض من على الطاولة وقبل أن يغادرها يلتفت إلى الأب وحنان وباحترام ظاهر يقول ( اعذروني سأرحل عنكم ولكن بودي أن أقول لكم شيئا أخيرا، الخطأ كان خطانا، فنحن من ادخل الدب إلى حديقة بيتنا الهادئة ) وهو يتحرك بعيدا يتمم كلامه وبصوت عال ( وفوق ذلك دللناه على وعاء العسل.؟! )

يرحل الشاب بعيدا برفقة الفتاة في حين يلتفت الأب إلى ابنته وهو يهز رأسه

الأب: ( أرأيت يا حنان ... أرأيت شبابنا كيف يضيع،... انه على حق، لقد أدخلنا الدب إلى حديقة بيتنا الهادئة ودللناه على وعاء العسل، فلم نعد نستطيع أن نخرجه منها ولا أن نخلص وعاء العسل من يديه.؟!)

حنان: ( بدأت تحكي بالألغاز يا أبي.؟)

الأب: ( الأحسن أن نرحل، فلقد حان موعد الغذاء،... هيا بنا يا حنان .)

ينهض الأب... يضع بعض النقود على الطاولة،... تنهض حنان تتأبط ذراع والدها بشيء من الألفة والحنان ويرحلا مبتعدين عن المقهى حتى يختفيا عن الأنظار.

 ( ستار ) تمت.

-----------------------

كتبت هذه المسرحية في إحدى مقاهي الرصيف في جنيف تأثرا بأحداث الحرب اللبنانية خلال عام 1981

أي منذ أربع وعشرون عاما ولقد قمت بنقلها وطبعها كما كتبت دون أي إضافة بالرغم من أنني كنت قد تركت الكثير من الحواشي والملاحظات للتوسع في فصولها على الورقة الأصلية وارتأيت نقلها وطبعها كما هي وأنا أتسائل هل تغير شيء ؟ وقد أصبح العرب أكثر من ثلاثة مئة مليون، أم أن الأسماء فقط تغيرت.

يحيى الصوفي / جنيف في / 08 /11 /1981

اقرأ أيضاً مع التعليق (  البديل ) (الوردة الجورية الحمراء منتدى شظايا أدبية)

 

 Date : 04/16/07 10:55:41 De: saleh razzouk

من خلال قراءة عامة لكتابات الأستاذ الفاضل يحيى الصوفي، بمقدورنا أن نلاحظ اهتماماته "المزيفة" باللغة. وأقصد بذلك أن بنيته الذهنية تمحض اللغة أهمية من خارج سياقها، وهذا يضع الحوار في علاقة مشبوهة مع الوصف أو حتى الموضوع. إن مجال المصالحة بين العقل المحض والأداتي ليست واردة، لذلك كانت معظم صوره غامضة من ناحية تعريفها في الذهن وشديدة الصلة بالخطوط التي تنتمي للتجربة. وهذا يضغط دائما لمصلحة خطاب اصطلاحي، مع أنه ذو قيمة أخلاقية تمس مسائل الضمير والوجدان فهو ذو صلة بنظام سبقه في الوجود وفي التعرّف.

وبلغة أوضح: إن يحيى الصوفي يتقاطع بين أمنياته وظروفه. أعتقد أن الملجأ الوحيد له كان يتمثل في الانسحاب بجروحه من الحياة ومن النص كذلك. وقد وظف لتحقيق هذا عدة أساليب معروفة.

أولا: القلم الرومنسي، وذلك لا يدل أنه يتبنى الرومنسية كـ "ماكينة" لاستيراد أو إنتاج الأفكار، ولكنه يمنحها قيمة "إطار" مفردات مشبوبة بالعاطفة وتنتمي إلى مجالات القلب الحزين (وعلى فكرة هو لم يوسع ذلك إلى حدود أية أطروحة تراجيدية، أو فاجع حول المصير)  ثم سياق اجتماعي محبط بسبب قيود تفرّق بين الإنسان وأهدافه، كما يحصل لدى أتباع المدرسة الرومانسية حيث تفرّق الظروف بين الأحبة وموضوعاتهم ( قارن مع خليل الهنداوي في دمعة صلاح لدين).

وهذا قد ينمو إلى صورة صراع بين الوجدان والعاطفة، أو الواجب والضمير.

ثانيا: الحوار. وأعتقد أن مسرحياته هي عبارة عن قصص أو روايات مختصرة (نوفيلا) الغرض منها إطلاق العصفورة من وراء القضبان.

إن أفكار الأستاذ الصوفي دائما في مرحلة من القلق والشك و أحيانا النميمة. بمعنى أنها فضائحية، وهي لا تستهدف غير ذاتها، لذلك كانت الدراما دائما قادرة على الصعود إلى المنصة وإلقاء ظلها على ستارة الواقع، ولها تعزى أسباب الحوار الفعلي. إنها مونولوجيه وذات إيقاع واحد، ولكنها ذات مغزى ورسالة. وباختصار لها أجنحة فنية تذكر بتيار الشعور ومغامرته مع الإنسان الحائر والمهزوم والذي عكف على تطهير نكباته.

وأخيرا: أدب الرحلات. أو ربما أدبيات السياحة. إن علاقة النصوص التي وصف فيها تنقلاته بين "الأمصار" كانت على شاكلة مقدمة لما سلف، وليس لما سيأتي. وهذا دليل آخر على تعامله مع منظومة أفكار ومع صور لها خلفيات ثابتة في الذهن. لا شك أن لدى الأستاذ يحيى الصوفي تجربة جديرة بالتعبير عنها فنيا.

إن "اللغة" أولا وأخيرا هي "أدب" الحياة كما يقول أستاذنا ورائد الرواية والمسرح العربي "توفيق الحكيم". ومن غير اللغة لن تكون لدينا قدرة على الحياة نفسها.

صالح الرزوق - 2007 

 

 

الصفحة الرئيسية | الرواية | القصة | المسرح | الشعر | الخاطرة | أدب الرسائل | المقالة | حكايات آية

 

للاتصال بنا أو إضافة تعليق

 

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2003 Almouhytte حقوق النشر محفوظة لموقع المحيط للأدب