أصدقاء القصة السورية  

الصفحة الرئيسية / خريطة الموقع / بحث / ضيوفنا / الكاتب / سجل الزوار

 

جمعية شام أصدقاء اللغة والثقافة العربية السورية - فرنسا

 

 / أغاني وأشعار لآية / أعياد ميلاد آية / صور آية / الكتاب الذهبي لآية

الرواية / القصة / المسرح / الشعر / الخاطرة / أدب الرسائل / المقالة / حكايات آية

للاتصال بنا

يحيى الصوفي في كنول من غوغل

Youtube  يحيى الصوفي في

facebook يحيى الصوفي في

جديد الموقع

 

 

 

أعلى التالي

التعديل الأخير: 16-01-11

       

المسرح - مسرحية من فصل واحد

       

البديل

       
       
       
       
       

لقراءة التعليقات

 
 

 

 

 

 

البديل

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان

شخصيات المسرحية:

---------------------

 

-الرئيس: رجل في الخامسة والستين من العمر، مربوع القامة، قوي البدن وشكله الخارجي وملامحه التي تدل على أصوله الهندية الظاهرة بوضوح تضيف على شخصيته بعضا من العنفوان والكبرياء،  يبدو من طريقة تحركه بخفة بأنه رياضي، مظهره الأنيق وتسريحة شعره المصبوغ باللون الأسود لا تدل على عمره بتاتا، يرتدي  بذلة زرقاء داكنة فوق قميص ابيض ناصع وقد تحلى بكرافتة زرقاء مخططة بلون رمادي على شكل أمواج متتابعة.

 

-الفونسو: رجل في الأربعين من العمر ضعيف البنية مقوس الظهر، شائب الشعر، أصلع الجبهة، غائر العينين ووجنتيه بارزتين حتى لنرى عظام الفكين بوضوح، ورغم ظهوره ببذلة نظيفة وذقن حليقة وشعر ممشط، فمظهره الخارجي يدل على رجل مريض ومنهك وكأنه على حافة الموت. 

 

-سفير أمريكا، بعض المستشارين والحراس والمزينين وحفنة من الجنود الأمريكيون ببذلاتهم المموهة

 

 

 

المشهد الأول: (في القصر)

---------------------------

 

(غرفة الرئيس في القصر الجمهوري في إحدى جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية، حيث نرى طاولة مكتب كبيرة تحتل الجهة الأمامية للغرفة، وضع عليها عدد من المصنفات ومقلمة فاخرة مع ريشة ودواة للحبر، وقد وضع إلى جانبها علم صغير مثبت على حامل خشبي وكتاب سميك للإنجيل، وخلفها مقعد وثير من الجلد البني الغامق، ونرى في الصدر خلف المكتب ستائر مخملية خمرية اللون مطرزة بخيوط خضراء داكنة، أمام مكتب الرئيس مقعدين بمساند خشبية منجدة بمخمل اخضر فاخر، وعلى الجدار من اليمن علقت صورة كبيرة للرئيس ببذلته العسكرية، وبجانبها وضع علم البلاد بالحجم الكبير مثبت على صارية مذهبة، وعلى الجدار المقابل من ناحية الشمال نرى مكتبة فخمة مليئة بالكتب، وعلى إحدى رفوفها صمدت بعض الكؤوس والنياشين العسكرية، في منتصف الغرفة نجد لوحاً من الزجاج السميك مثبتاً على قائمتين على شكل مسدس رشاش وسيف، وعليها وضعت صينية من الخزف الصيني الفاخر تحتوي إبريقا من الشاي وفنجانين وقربة للسكر وملعقة صغيرة مذهبة بمقبض من الزمرد.  

 

(يدخل الرئيس إلى غرفة مكتبه وقد بدا عليه الامتعاض والتوتر وهو يصيح بمساعديه).

 

الرئيس: أين هو احضروه لي ؟.

 

(احد مساعديه يخرج مسرعا لينادي على احد الحراس): احضر الرجل.

 

الرئيس: هذا لا يعقل، أبلغت به الصلفة والجراءة ليتحدث إلى كبار الزعماء بالعالم لكي استقبله والحضور ها هنا لمقابلتي...؟ أن يأتي إليّ بقدميه ؟.

 

(احد الحراس يدخل مستأذنا وبرفقته رجل هزيل في الأربعين من العمر، رث المظهر وعلامات التعب بادية عليه وكأنه لم ينم منذ أيام).

 

الرئيس: اجلس... ها أنت أخيرا أمامي ماذا تريد ؟.

 

الرجل (وهو ينظر إلى الرئيس بشيء من الخنوع وهو يرتجف): أنا ااانا يا سيدي الرئيس لم ....

 

(احد المساعدين ينتهز انشغال الرئيس بتفقد بعض الأوراق على مكتبه ليهمس بإذن الرجل وقد اخذ بأحدى خصال شعره دافعا برأسه نحو الأرض): اخفض نظرك أيها النذل، لا تنظر إليه عندما تتكلم...!.

 

الرئيس (يترك مكتبه ويقترب نحو الرجل، وقبل أن يصل إليه يسرع رجلين من امن الرئيس للامساك به من ذراعيه).

 

الرئيس (محتجاً): ما هذا لماذا تمسكون به هكذا ؟.

 

(احد الحراس وبشيء من التهيب والاستعداد): لحمايتك سيدي !!!.

 

الرئيس: اتركوه ...اتركوه أريد أن اسمع منه كل شيء.... هيا قل ماذا تريد ؟.

 

الرجل (محاولا الكلام وهو يرتجف مطأطأ رأسه): انااااا ....اااناااااا.....

 

(وقبل أن ينهي كلمته يصيح الرئيس على احد مساعديه): ما هذا دعوه يجلس... تفضل يا بني تفضل، لم يبدو عليك الخوف هكذا ؟.... مم أنت خائف ؟.

 

(يقود الحارسين الرجل إلى احد المقاعد محمولاً ويجلسانه عليه، حيث يقف كل منهما إلى احد جانبيه وهما متأهبان).

 

(الرئيس وهو يشد المقعد الأخر ليجلس عليه مقابلة مع الرجل): هيا لا تخف قل لي ما الذي يقلقك... مم أنت ممتعض وثائر، ولماذا أنت هكذا خلفي منذ عشرين عاما ؟... الم تتعب ؟.

 

الرجل (محاولا الإمساك بركبتيه المرتجفتان وهو محني الظهر): سسسيدي .....أنأأأأ.

 

الرئيس (مقاطعا): يبدو عليك بائساً جداً وخائفاً... لماذا ؟ مم أنت خائف !!!.

 

(وهو ينظر ويشير إلى الحارسين بالابتعاد عنه): هيا قل لي ما الذي لا يعجبك بي وبقيادتي...!؟.

 

الم تعجبك الثورة.... الم تحقق المكاسب المرجوة لك وللملايين من أبناء هذا الشعب، الم أعطكم الأرض لتزرعوها والمصانع لتعملوا بها... واعدت الحرية المسلوبة وطردت الأجنبي... وبنيت جيشاً قوياً لحماية الوطن والذود عنه... وصغت القوانين وأصدرت المراسيم لاحميكم واحمي البلاد من النهب والسلب والتسلط !؟.

 

الم تعجبك الآلاف من الكيلومترات من الطرقات المعبدة... وشبكة الكهرباء الحديثة وملايين الخطوط الهاتفية،.....والسدود وأقنية الري لسقاية الأراضي العطشى، وبناء المستشفيات والمدارس والجامعات وإعداد الكوادر المؤهلة... والآلاف المؤلفة من الموظفين الأكفاء لخدمة الوطن والمواطنين... هه... ما الذي لا يعجبك بي وبحكمي ؟... ما الذي لا يعجبك بإدارتي وحزبي حزب الشعب والأمة ؟.

 

الم  أعد ترتيبه وتنقيحه وإعادته إلى الحياة قوياً منتصراً بعد أن كان بيد حفنة من الطغاة والعملاء والخونة... الم تعجبك كل هذه التغيرات الكبيرة التي قمت بها منذ ثلاثين عاما...؟ كم كان عمرك حينها ؟.

 

(وهو يربت بيده على ركبة الرجل محاولا زرع الطمأنينة لديه تابع هامسا): عشرة أعوام أليس كذلك ؟ أرأيت ؟... أنت كأحد أولادي... من أجلك ومن اجلهم ومن أجل أجيال كاملة من هذه الأمة فعلت ما فعلت.... حتى أحسن العناية بكم وبمستقبلكم والاهتمام بأكلكم وملبسكم ورفاهيتكم !؟.

 

قل لي ها أنت أمامي وبناء على طلبك... تريد مقابلتي... منذ عشرين عاماً وأنت تلاحقني... تريد مناظرة معي... مناقشتي بأمور الحكم والدولة!.

 

ماذا تعرف يا بني عن الدولة ؟...عن الحكم، عن السياسة والاقتصاد؟... عن العلاقات الخارجية ومصالح الدول والاتفاقيات الدولية؟.

 

ماذا تعرف عن لعبة الأمم وعن أسرار الحرب والسلم ؟... عما يجري خلف الكواليس من الدسائس ؟... هل تقرأ التقارير اليومية التي تنهال على مكتبي في كل صباح ؟.

 

عن مئات الخونة الذين يتربصون بالوطن والمواطنين، ماذا تعرف عنهم ؟... ماذا تعرف عن المؤامرات التي تحاك في أقبية المخابرات بالدول العظمى للانقضاض على الوطن وسلبه واستعماره ؟.

 

الرئيس (وهو يهم بالوقوف): أنا على يقين بان ما كتبته عني وعن الحزب لا يتعدى كونه تجني على الحقيقة... أنت لا تعرف الحقيقة كاملة يا بني !.

 

(وهو يعود خلف مكتبه ليشعل سيكاراً كوبياً غليظاً فاخراً): أترى هذا السيكار إنه من كوبا هدية... أنا لا ادفع ثمنه، انتم تتهمونني بالثراء على ظهور أبناء الشعب... ويكفي أن تلتقطوا بعض الصور لي بالبدلات الأنيقة ومع هذا السيكار الفاخر، لتصورونني وكأنني انهب أموال الشعب، لأحولها إلى دخان وبعض من أمتار من القماش الثمين.

 

إنها هدية من الهند يا عزيزي هذه الأقمشة الفاخرة وهذا السجاد أفغاني... وتلك الفراء النادرة من روسيا... وهذه الخناجر والدروع المطعمة بالعاج من أفريقيا... وكذلك العطور من باريس والساعات والشوكولاته من سويسرا... هي هدايا تأتينا من أصدقائنا !؟.

 

ومن ثم ألا يهمك أن يتمتع رئيسك ببعض الأناقة وحسن المظهر حتى يليق بتمثيل البلاد أمام المجتمعات المتحضرة !.

 

ما الذي يزعجك في كل هذا ؟... لماذا لا تنتبه إلى عائلتك وأطفالك ومقربيك ؟ ... إلى عملك وقوت يومك بدلاً من ملاحقتي بالأكاذيب، الم تتعب يا رجل ؟.

 

الرئيس (وهو ينظر إلى الرجل بشيء من الشفقة): لا يبدو عليك بأنك أنت صاحب تلك الكلمات الجارحة الجسورة القوية... كنت أتخيلك ضخم البنية، قوي العزيمة، حاد النظرات، ووراءك جيش من المؤيدين... أين هم رفاقك ؟... لا يبدو عليك صاحب حجة وشكيمة !؟.... هيا قل لي... تكلم... لا تخف... قل كل ما يحلو لك فأنا متفرغ تماما لك... للاستماع إليك وإلى شكواك !؟.

 

الرجل (وهو يحاول أن يرفع رأسه فلا يقوى على ذلك... لقد بدا وكأنه يحرك طناً من الحجر الصلب، فتمتم وشفتيه ترتجفان): ااااننننااا أنا لم اقل هذا... أنا لم اكتب أي شيء من هذا !.

 

الرئيس (متصنعاً عدم سماعه): ماذا ؟....ماذا تقول ؟.... ارفع رأسك عالياً وانظر إلي ولا تخف.... أنا لا أحب الجبناء... كن قوياً وفخوراً... حتى لا اشعر بالاشمئزاز من كل ما فعلت خلال الثلاثين عاماً الماضية !.

 

الاشمئزاز من الثقافة الحزبية، الاشمئزاز من الأناشيد الحماسية ومن الأغاني الوطنية، ومن الدورات التثقيفية لرفع معنوياتكم وإعادة الثقة إلى نفوسكم... والكبرياء إلى جباهكم التي عليها ألا تنحني إلا إلى الله... هيا كن فخورا وتكلم وأنت رافع الرأس ولا تخف.

 

الرجل (محاولا أن يرفع رأسه ثانية وهو ينظر إلى احد مساعدي الرئيس بخوف وقد شد بقبضتيه على ساقيه المرتجفتين): سيدي .... لا أستطيع !؟.

 

الرئيس (وهو يشير إلى مساعديه بالخروج): هل أنت خائف حقاً... وممن ؟.... ها نحن بمفردنا هيا قل ما عندك ولا تخف !؟.

 

الرئيس (وهو يصب كوبا من الشاي الساخن): أنت لابد تشعر بالبرد !... غريب إن تبرد في أيلول !؟... لابد انه المكيف !؟.

(وهو يضع الشاي بالقرب من الرجل): تفضل اشرب الشاي وقل لي كل ما عندك... أنا اعرف تماماً شعورك بحضرتي... (وهو يقترب منه ليضع يده على كتفه بشيء من الحنان الأبوي تابع بصوت فيه بعض الدفء): هيا قل لي  يا رجل، قل لي كل ما عندك ؟.

 

إذ لا يمكن أن تطلب التحدث إلي وتنتظر كل هذه الأعوام وأنت تطاردني بشتى الأكاذيب لكي تصمت !؟... ها أنت أمامي قل كل ما عندك هيا !؟.

 

الرجل (يأخذ بفنجان الشاي وهو يهتز وكأنه قد أصيب بزلزال، محاولاً أن يرشف منه، وقد عادت إليه بعض من الثقة): سيدي لا اعرف ماذا أقول لك ؟.

 

الرئيس: كيف لا تعرف وقد طلبت ذلك وأصريت كيف ؟.

 

الرجل: سيدي لابد أنك تخطيء الرجل، فأنا لست من تتحدث عنه ؟... ولا املك أي من صفاته !؟.

 

الرئيس (مستعجباً وهو يدقق بإحدى الأوراق أمامه): ماذا ؟... الست أنت الفونسو !؟.

 

الرجل: نعم

 

الرئيس: ووالدك البيرتو... ووالدتك ماريا الخونتو ؟.

 

الرجل: نعم

 

الرئيس: إذاً فهذا أنت !؟.

 

الرجل: ولكن يا سيدي أنا لست متأهلاً ولا عائلة لي ولا أولاد، ومن تتحدث عنه يبدو بأنه رب أسرة !؟.

 

الرئيس: كيف الم تتزوج طوال هذه السنين ولم تنجب !؟.

 

الرجل (متابعا بشيء من اليأس): وأنا لم أطاردك بكتاباتي وانتقاداتي كما تقول ولم اطلب أية مقابلة معك !؟.

 

الرئيس: كيف ؟... هل من المعقول أن تكذب وبحضور رئيسك وقائدك وكبير قضاتك، أتجرؤ على هذا ؟.

 

(وهو يأخذ بقصاصة ورق قديمة): الست أنت من كتب هذه السطور:  "إلى رئيسنا وقائد ثورتنا تحية وسلام من أبنائك الذين يحبونك ويبجلونك وبعد. سيدي الرئيس ها أنت منذ عشر سنوات في السلطة وقد أغدقت علينا ومنذ اليوم الأول لمجيئك إليها بالوعود التي لم يتحقق منها شيئا، والقليل اليسير الذي أنجزته كان على حساب آلاف الجثث من الأبرياء الذي قتلوا ودفنوا في مقابر جماعية تحت ستار أنهم معارضون وخونه !... فإذا جئت إلينا بالاستقلال فشكرا لثورتك الطاهرة الشريفة التي أنعمتنا بها وقد آن الأوان لكي تتحول البلاد إلى المدنية، لنبنيها، فهلا خلعت بذلتك العسكرية واستمعت إلى صوت الحق لنساهم معك في بناء الوطن ؟... أو تستقيل لتترك البلاد حافظة الود والاحترام لك ودون أن تتلوث يديك بدماء الأبرياء، وأخيراً أشكرك سيدي الرئيس لأنك منحتنا حق قول الحقيقة وبناء على توجيهاتك رئيس الطلبة الطالب الفونسو" هل تستطيع أن تنكر هذا !؟.

 

الرجل: أبدا سيدي... ولكن هذا حدث منذ عشرين عاماً وعلى لوحة الطلبة في المدرسة وبناء على توجيهاتك بإعلان الثورة الثقافية !؟.

 

الرئيس (وقد بدا عليه الذهول): اجل الثورة الثقافية، ومنذ عشرين عاما... (وهو يخرج قصاصة ورق ثانية من بين أوراق كثيرة متناثرة على مكتبه): وهذه الست أنت من كتبها، وهو يقرا "سيدي الرئيس لا نعرف نحن أولادك... جيل المستقبل الذي بذلت في سبيله الغالي والرخيص، لكي تؤهلنا لاستلام دفة هذا المركب... الوطن الغالي لكي نقوده سوياً إلى بر الأمان بعيداً عن العنف، وإن أنا اكتب لك فلأنني وبصفتي ممثلا للطلبة وبناء على توجيهاتك أريد أن اكشف لك عن بعض الحقائق المؤلمة التي تمارسها ميليشياتك، بتعرضنا للضرب والإهانة، وفي بعض الأحيان باختفاء الكثير من زملائنا... إما في السجون أو المقابر، وأرجو السماح لي بمقابلتك لتزويدك بالوثائق، وشكراً سيدي الرئيس" ثم تابع ألست أنت من كتب هذه السطور ؟.

 

الرجل: نعم سيدي ومنذ عشرين عاماً وبناء على توصيتك بعد الثورة الثقافية، وقد كتبتها أمام صورتك المعلقة على إحدى جدران الصف وكنت حالماً... لم أكن أتصور بأنها ستصلك !... ومنذ عشرين عاماً سيدي !؟.

 

الرئيس: إذا صحيح انك طلبت مقابلتي... صحيح انك تعرضت للرئاسة بالنقد والتجريح... صحيح بأنك ومنذ عشرين عاماً تطاردني ؟.

 

الرجل: سيدي لابد بأن هناك لبساً في الموضوع !... فأنا لم اكتب سوى هذين المقالين، وعلى صفحات الجريدة المدرسية، وفي مدرسة نائية بعيدة في قرية بائسة في مجاهل الأمازون !؟... ولم يلتفت إليها احد وكنت في العشرين من عمري... ولا اعرف كيف وصلتك !؟... وأنا لم أطارد أحدا سيدي !.

 

الرئيس (مستغربا): كيف !؟.

 

الرجل: لأنني من يومها كنت اقبع في السجن القريب من هنا... في إحدى الأقبية القريبة جداً... حيث استيقظ وفي كل صباح على صوت صفارات سيارات الموكب الرئاسي، فأتفاءل خيراً بأنك لازلت هنا، وبأنك والحمد لله تتمتع بالصحة والقوة والعافية.

 

الرئيس: عشرين عاماً تنتظر مقابلتي !؟.

 

الرجل( بيأس): بالسجن سيدي.

 

الرئيس (متصنعا عدم سماعه): في قصر الضيافة في الجهة المقابلة حيث نستقبل اعز ضيوفنا !.

 

الرجل: لا اعرف سيدي في قبو رطب ومظلم، مليء بالجرذان، لم أر النور إلا منذ يومين... حيث سمح لي بالاستحمام وبالحلاقة !؟.

 

(ثم تابع وهو يهذي): منذ يومين سيدي عرفت بأنني لازلت على قيد الحياة، لأنني كنت اشعر وكأنني انتقلت إلى العالم الأخر انتظر دوري على أبواب جهنم المظلمة دون ذنب يذكر ؟.

 

الرئيس: اتركني من دعابتك واخبرني عن سبب هذه الحملة الشنيعة ضدي وبسببك ؟.

 

الرجل (وقد بدا عليه الذهول): بسببي !؟.

 

الرئيس: الم تكفك جمعيات حقوق الإنسان، والمنظمات الدولية من صحافة وأعلام وكنيسة، حتى البابا تدخل من أجلك، عشرين عاماً من المضايقة بسببك لماذا ؟... ماذا فعلت لك ؟... الم يشفع لي كل ما أنجزته من تعليم وتقدم وحضارة لهذا البلد، لكي توقف تهجمهم علي وعلى هذا الوطن الجميل الغني الساحر في ثروته وجباله وبحاره وأهله الطيبين، تريد أن تجرفنا بأكاذيبك إلى الهاوية !؟.

 

الرجل (منبهتا مما سمع وقد انعقد لسانه وشعر بأن فكيه عاجزان عن الحراك للتعبير وفهم ما يدور حوله): سيدي لا افهم ما تقول ؟... أنا لم أكن موجودا لفعل كل هذا، وأنا أحب هذا الوطن، وأحب أهله ومياهه وجباله وسماءه وكل شيء فيه مثلك تماما، وأنا أؤيدك وافهم مشاعرك، ولكن أنا  لا أفهم لماذا هناك من يكرهك ويقف ضدك إذا ما كنت قد قمت بكل ما قمت به... لا أفهم لماذا ؟.

 

الرئيس: لأنهم خونه...عملاء... محتالون وناكرين للجميل !؟.

 

الرجل: ألا تظن سيدي الرئيس بأن هناك خلل ما وراء هذا الكره... شيءٌ ما لا أعرف ماذا سأسميه أغلى بكثير من كل الإنجازات التي قمت بها... شيء يعطي لتلك الإنجازات قوتها وأهميتها ومكانتها، لا أعرف كيف سأشرح لك ؟... إنه كالملاط الذي نحتاجه لبناء تلك المربعات من الطوب، فهي التي تمسكه وتجعله صلبا ومتينا.

 

الرئيس: هل تتصور بأن هناك أهم من الطرقات المعبدة والجسور، والأنفاق ومحطات توليد الطاقة ؟... حيث أضأت ابعد بيت في ابعد قرية...هل تتصور بأن هناك شيء أهم من المدارس والجامعات ومراكز البحوث التي بنيتها ؟... ومئات الألوف من المساكن الرخيصة التي أعطيتها للشعب وبقروض ميسرة... هذا ناهيك عن الفنادق والمنتجعات السياحية، ودور الأيتام والعجزة والمستشفيات... إنها الجنة ذاتها ما بنيته وقمت به !؟.

 

الرجل: تريدني صريحاً سيدي ؟.

 

الرئيس: طبعا طالما أنت سبب كل البلاء هيا قل.

 

الرجل (وقد استقام في جلسته وعاد إليه بعض الاطمئنان والهدوء): هناك شيء أهم من كل هذا سيدي.

 

الرئيس (مستغرباً ومستهجناً): ما هو ؟.

 

الرجل: إنها الحرية سيدي، إنها الحرية ... تلك الخمائر الرائعة التي تساعدنا على هضم الطعام اللذيذ والشهي الذي تقدمه لنا... إنها الإنزيمات التي تجعل من الفيتامينات فاعلة وذات فائدة !... إنها الملاط يا سيدي، الذي يساعد على تماسك الجدران التي تبنيها والجامعات والجسور والأنفاق وكل حجرة من حجار هذا الوطن الغالي !.

 

ثم تابع وكأنه يحلم: إنها الحرية هي التي تثبت كل حصى وحجرة وصخرة وبناء مهما كان صغيراً أو كبيراً في هذا الوطن، وبدونه يبقى البناء هشاً تعصف به اضعف العواصف شأناً !.

 

الرئيس: إنك تهذي بلا شك !... لقد أنفقت المليارات لبناء هذا البلد، وعلمت أطفاله وشبابه وشيوخه الحرية وحب الوطن !.

 

الرجل: هذا أقل ما يمكن لمن اؤتمن على ثروة هذه البلاد وخيراتها... وماذا يهم إذا علمتنا الحرية وحرمتنا منها... وعلمتنا الحب وأخذته منا... وعلمتنا الإخلاص ومنعتنا عنه... حتى أضحت البلاد من شرقها إلى غربها مخيمات للعزاء، عن أطفال شردوا وبنات اغتصبت وفقدت، وشباب بعد إن علمتهم أضحت مكاتبهم وبيوتهم فارغة إلا من الثكلى !؟.

 

ماذا تنفع البيوت الجميلة المسكونة بالأحزان والآلام على غياب ابن أو ابنة أو زوج وزوجة ؟... ماذا تفيد تلك الهضاب وقد اقتلعت عنها أشجارها وافتقدت لسكانها ؟....إنها دائرة مفرغة تلك التي أدخلتنا بها !؟... تعلم الشباب، تنفق عليهم ثم تطاردهم وتكمم أفواههم !؟.

 

سيدي ماذا تفيد اللقمة المشبعة بالإهانة والمذلة ماذا ينفع رغيف الخبز ؟.... (( ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان )) !؟.

 

الرئيس: أنت لابد تهذي عن من تتحدث ؟... عن بلدنا الجميلة وسكانها الرائعين ؟... إنهم يخرجون أفواجا في كل مناسبة لتحيتي والغناء لي والتصفيق لمآثري... إلا الأيام الأخيرة التي حركت جماعاتك المريبة، جماعات الخونة لتنغص علي حياتي وتقض على المواطنين الشرفاء معيشتهم... ومن ثم لماذا لم تبذل الجهد الكافي لقول ما قلته الآن لماذا ؟.

 

الرجل هذا ما حاولت منذ عشرين عاما ولم تسمعني... لقد وصلت متأخر سيدي وأنا آسف ...آسف جداً !.

 

***

 

المشهد الثاني:

---------------

 

(يدخل احد المرافقين وقد بدا عليه الهلع): سيدي عليك أن تغادر القصر فوراً، لم نعد باستطاعتنا حمايته وحمايتك لقد وصل الغوغائيون إلى أسواره... ويبدو أن هناك مؤامرة كبيرة تحاك... لأننا سمعنا أزيز الطائرات الأمريكية بالخارج !؟.

 

الرئيس (بغضب): ماذا ؟... وصل بهم الحد للتآمر علي، أين البقية أين المستشارين والوزراء !؟.

 

أحد المرافقين: لقد غادروا جميعاً كل يهرب بجلده... أرجوك سيدي عليك الإسراع لأنني لا أستطيع الانتظار أكثر.

 

الرئيس: أيها الأحمق الخائن تكلمني بهذه اللهجة... نسيت من أكون !؟.

 

احد المرافقين: آسف سيدي... ولكن لا أستطيع الانتظار أكثر.

 

(يخرج المرافق مسرعاً، في حين تسمع في الخارج طلقات نارية وصراخ يأتي من كل الاتجاهات)

 

***

المشهد الثالث:

---------------

 

(يفتح الباب ثانية ويظهر من خلاله ثلة من الوزراء وسفير أميركا وبعض الجنود)

 

رئيس الوزراء: سيدي لقد فعلت المستحيل وانتهيت بعد اجتماع مع اللجنة المركزية للحزب بأن نطلب عون أمريكا لتأمين الحماية لك ولعائلتك لمغادرة البلاد فوراً.

 

السفير الأمريكي: سيدي الرئيس نحن تحت تصرفك وبناء على رغبتك سننقلك إلى جهة آمنة وكذلك جميع أفراد عائلتك.

 

الرئيس: كل شيء مدبر إذاً !؟... إنه يوم القيامة ولاشك... (وهو يوجه كلامه للرجل) كله بسببك أيها الوغد الأحمق !... كله بسببك.

 

الرجل (وقد وقف مذهولاً أمام كل ما رأى وسمع، فلقد كان غائباً لمدة عشرين عاماً في الأقبية، لا يعرف عن العالم الخارجي أي شيء... وفجأة يشهد نهاية حكاية لم يكن يدري بأنه فاعل فيها... وفيما كان الرئيس يخرج برفقة وزرائه والجنود، التفت السفير الأمريكي إليه وهو يؤدي له تحية مليئة بالاحترام ويقول):

 

السفير: سيدي الفونسو يسعدني التشرف بالتعرف إليكم... إنه شرف عظيم لي، الجميع بانتظارك في الخارج لإلقاء كلمة ولكن يجب أن تتهيأ لهذه المناسبة... وهو يشير إلى فريق من المزوقين كان قد وصل لتوه مع كامل عتاده وعدته.

 

الفونسو (وقد عقد لسانه، لم يتفوه بأي كلمة فلقد بدا عاجزا حتى عن الحركة، حيث بدأ الحلاق بالحلاقة له، ثم تعاقب عليه المسئول عن الماكياج مع كل أدواته، محاولا ضخ السيلكون تحت الوجنتين الغائرتين وتلوين  الشفتين المزرقتين، وتجليس الرقبة بقميص قبته مدعومة بالبلاستك القاسي، آما البذلة فلقد كانت أكبر بكثير مما توقعه المصممون فبادر الخياط ممتعضاً وموجها كلامه للسفير)

 

الخياط: سيدي البذلة كبيرة جداً عليه ولا وقت لدي لتصغيرها ماذا أفعل ؟.

 

السفير (ضاحكاً): ليس من عادتنا أن نلبس عملاءنا بدلات على قياسهم... انفخه قليلاً ليبدو هو على قد البذلة وليس العكس... إنها أمريكية !.

 

(وفيما كانت الأصوات بالخارج تتعالى مطالبة بخروج الفونسو إلى الشرفة لتحيته، كان هذا الأخير يبدو كلعبة العرائس تتناقلها أيدي المصممين بالتشذيب والتهذيب.)

 

النهاية.  

 --------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

كتبت هذه المسرحية على وقع الأحداث الأخيرة التي حصلت في هايتي وما نتابعه حاليا في فنزويلا، ولقد بدأت الكتابة بها الساعة الثالثة صباحاً وانتهيت منها في الثامنة من هذا الصباح

يحيى الصوفي / جنيف في 05 / 03 / 2004

اقرأ أيضا مع التعليق ( الوردة الجورية)  أو ( البديل)

 

 Date : 04/16/07 10:55:41 De: saleh razzouk

من خلال قراءة عامة لكتابات الأستاذ الفاضل يحيى الصوفي، بمقدورنا أن نلاحظ اهتماماته "المزيفة" باللغة. وأقصد بذلك أن بنيته الذهنية تمحض اللغة أهمية من خارج سياقها، وهذا يضع الحوار في علاقة مشبوهة مع الوصف أو حتى الموضوع. إن مجال المصالحة بين العقل المحض والأداتي ليست واردة، لذلك كانت معظم صوره غامضة من ناحية تعريفها في الذهن وشديدة الصلة بالخطوط التي تنتمي للتجربة. وهذا يضغط دائما لمصلحة خطاب اصطلاحي، مع أنه ذو قيمة أخلاقية تمس مسائل الضمير والوجدان فهو ذو صلة بنظام سبقه في الوجود وفي التعرّف.

وبلغة أوضح: إن يحيى الصوفي يتقاطع بين أمنياته وظروفه. أعتقد أن الملجأ الوحيد له كان يتمثل في الانسحاب بجروحه من الحياة ومن النص كذلك. وقد وظف لتحقيق هذا عدة أساليب معروفة.

أولا: القلم الرومنسي، وذلك لا يدل أنه يتبنى الرومنسية كـ "ماكينة" لاستيراد أو إنتاج الأفكار، ولكنه يمنحها قيمة "إطار" مفردات مشبوبة بالعاطفة وتنتمي إلى مجالات القلب الحزين (وعلى فكرة هو لم يوسع ذلك إلى حدود أية أطروحة تراجيدية، أو فاجع حول المصير)  ثم سياق اجتماعي محبط بسبب قيود تفرّق بين الإنسان وأهدافه، كما يحصل لدى أتباع المدرسة الرومانسية حيث تفرّق الظروف بين الأحبة وموضوعاتهم ( قارن مع خليل الهنداوي في دمعة صلاح لدين).

وهذا قد ينمو إلى صورة صراع بين الوجدان والعاطفة، أو الواجب والضمير.

ثانيا: الحوار. وأعتقد أن مسرحياته هي عبارة عن قصص أو روايات مختصرة (نوفيلا) الغرض منها إطلاق العصفورة من وراء القضبان.

إن أفكار الأستاذ الصوفي دائما في مرحلة من القلق والشك و أحيانا النميمة. بمعنى أنها فضائحية، وهي لا تستهدف غير ذاتها، لذلك كانت الدراما دائما قادرة على الصعود إلى المنصة وإلقاء ظلها على ستارة الواقع، ولها تعزى أسباب الحوار الفعلي. إنها مونولوجيه وذات إيقاع واحد، ولكنها ذات مغزى ورسالة. وباختصار لها أجنحة فنية تذكر بتيار الشعور ومغامرته مع الإنسان الحائر والمهزوم والذي عكف على تطهير نكباته.

وأخيرا: أدب الرحلات. أو ربما أدبيات السياحة. إن علاقة النصوص التي وصف فيها تنقلاته بين "الأمصار" كانت على شاكلة مقدمة لما سلف، وليس لما سيأتي. وهذا دليل آخر على تعامله مع منظومة أفكار ومع صور لها خلفيات ثابتة في الذهن. لا شك أن لدى الأستاذ يحيى الصوفي تجربة جديرة بالتعبير عنها فنيا.

إن "اللغة" أولا وأخيرا هي "أدب" الحياة كما يقول أستاذنا ورائد الرواية والمسرح العربي "توفيق الحكيم". ومن غير اللغة لن تكون لدينا قدرة على الحياة نفسها.

صالح الرزوق - 2007 

صالح الرزوقمجموعة أصدقاء القصة السورية Tue Dec 13, 2005 10:16 am  

مبدأ السعادة المؤجلة ليحيى الصوفي – كلام ليس للمجاملة

من هذا المنبر ، حلقة أصدقاء الشأن السوري ، أود أن ألفت الانتباه إلى العمل الإبداعي الذي يؤديه الأستاذ يحيى الصوفي.

من النماذج القليلة التي قرأتها وصلني انطباع بمبدأ ( السعادة المؤجلة ) ، و هو طريقة للتصالح مع الواقع و للتحضير إلى تفكيكه ، بعكس ( السعادة المستحيلة ) المبدأ الآخر الذي كانت ناديا خوست قد قامت بتقصيه لدى محبوبنا " الدكتور " تشيخوف.

لقد فتح لي الأبواب لهذا التوجه أستاذي ( ويليام وتنغتون ) المستشار الفني لدار النشر الهولندية " إيلسيفير ".

كان رأيه أن التعامل مع الواقع يفرضه مبدأ القوة، و كنت دائما ألح بمزيد من الراديكالية لنتشابه فيما نحن عليه مع ما يجب أن يكون ؛ أقصد الأصل الفردوسي الذي أخطأنا تجاهه.

ترى هل انطلاقا من مفهومنا للقوة نخضع لقوانين اللغة ، و نحاول أن نشبه فيما نكتب من سبقنا ؟..

لقد طرحت مسرحية ( البديل ) للأستاذ الصوفي هذا التساؤل ، الذي يكاد يكون طلبا ملحا ( و الطلب هو مرادف فلسفي للبحث أو الاستكشاف ) ، في عالم ظلي ، عالم من المحاكاة و التكرار ( الذي رمز له بصورة البذلة الجاهزة ).

لا شك أن اللغة دافئة ، وتيرة الحوار درامية ، و لكن السعادة لا تزال مكبلة و في الأغلال..

هذا قول على قول..

صالح الرزوق 2005

 

 

الصفحة الرئيسية | الرواية | القصة | المسرح | الشعر | الخاطرة | أدب الرسائل | المقالة | حكايات آية

 

للاتصال بنا أو إضافة تعليق

 

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2003 Almouhytte حقوق النشر محفوظة لموقع المحيط للأدب