أصدقاء القصة السورية  

الصفحة الرئيسية / خريطة الموقع / بحث / ضيوفنا / الكاتب / سجل الزوار

 

جمعية شام أصدقاء اللغة والثقافة العربية السورية - فرنسا

 

 / أغاني وأشعار لآية / أعياد ميلاد آية / صور آية / الكتاب الذهبي لآية

الرواية / القصة / المسرح / الشعر / الخاطرة / أدب الرسائل / المقالة / حكايات آية

للاتصال بنا

يحيى الصوفي في كنول من غوغل

Youtube  يحيى الصوفي في

facebook يحيى الصوفي في

جديد الموقع

 

 

 

أعلى التالي

التعديل الأخير: 05-08-10

       

ضيوفنا - قصص قصيرة

       
  ماذا تعني الأنثى سعاد

اللعب بالظل

       
       
       
       
       

بقلم: هدى حسين

 
 

 

 

 

 

اللعب بالظل

 

 

عندما كنت صغيرة. كانت أمي غالباً ما تجدني في أماكن غريبة. بعد بحث مضنٍ مشبع بالقلق على غيابي واحتمالات اختطافي وفقداني في شوارع لم أكن أعرف أسماءها. كنت طفلة مندفعة إلى الخارج في نظر أمي، فضولية، ومطمئنة لكل شيء. كانت أمي تقول لي مؤنبة دائماً:

إنتي فاكره العالم كله أمك وأبوكي؟ فيه ناس أشرار ما يعرفوش ربنا ممكن يخطفوكي ويغتصبوكي" وكنت أجيبها منجذبة إلى المغامرة بفرحة ساذجة غير فاهمة:

ياه!

وبالرغم من توافر اللعب الكهربية والمعدنية والبلاستيكية لديّ، بما في ذلك من طائرات ومسدسات ودمى ذوات شعور صفراء مسترسلة لا تشبهني، إلاّ أنها تجد لعبة ناقصة كل مرة. أقول لها إن اللعبة خرجت. الطائرة طارت. المسدس خرج يبحث عن لص في العمارة المجاورة. والدمية تلو الأخرى ذهبت إلى مصفف الشعر، الخياطة، لشراء مستلزمات البيت، أو تاهت وخطفوها ناس ما يعرفوش ربنا. وكلما بحثت أمي عني وجدتني في النهاية منزوية في ركن الحائط ووجهي باتجاه الجدران. أو تحت السرير متكومة ألعب بالأتربة العالقة بالأرض، أو مبرومة داخل الغطاء أو متقوقعة في إحدى حقائب السفر الكبيرة المصنوعة من القماش الخشن. أحياناً، بعد فواصل طويلة من النهر والعقاب، كنت أضطر أن أجلس في مكان ظاهر للجميع، ساعتها كنت أشكل بالصلصال الملون قطعاً غريبة اعتبرتها أمي صوراً للعفاريت التي تظهر لي وتريد أن تسكنني. بقلق زائد كانت أمي تواصل دفعي إلى حيز الضوء. وكنت، بكثير من الطاعة النابعة من اللا مبالاة، أنظر إلى السرير والدولاب وسبت الغسيل الوسخ والجدران والسقف، بابتسامة من يثق أن بإمكانه اللعب مع أي شيء.

ذات يوم اختفيت كعادتي. وأخذت أمي تبحث عني في كل الأماكن الخفية التي اعتادت أن تجدني فيها لكنها لم تعثر عليّ. كان الصلصال متروكاً على الأرض وقد تشكل بصورة عجيبة. كادت أمي أن تنهار وتصرخ بآيات قرآنية، عل كلام الله يعيدني إلى حضنها. عندئذٍ سمعت عن يسارها ضجة مفاجئة. ضجة آتية من داخل دولاب الملابس. فتحته ووجدتني واقعة من أحد رفوفه. قالت لي:

بتعملي إيه في الدولاب؟

باتفرج على الضَلمة يا ماما!

لازم تقلقيني عليكي؟ كان ممكن تغمضي عينك هتلاقي الدنيا ضلمة!

أيوة بس هو حد ممكن يشوف وهو مغمض عينه؟

طيب كنتي تقفلى النور وخلاص!

ماهو لو قفلت النور، بعد شوية هاشوف الأوضة.

تململت ماما، وأظنها قالت لنفسها إنها طالما وجدتني فلا داعي للجدال، لأنني حتماً سأكسب. فسخرت مني سائلة:

وشوفتي الضلمة خلاص؟ ممكن تطلعي من الدولاب بقى!

أيوة شفتها. كان لونها بني. وخشنة زي فروة الخروف بتاع العيد. بس ماكانش الخروف إندبح. ما كانش فيه في الضلمة دم.

لم يكن أمام أمي ساعتها سوى الانفعال والتوبيخ لكسري رف الدولاب. أما عن الظلمة، فلم نتحدث عنها بعد ذلك أبداً. هاجت أمي وعلا صوتها وراحت يداها تخبطان الهواء وعيناها تتوهجان كعفريت من الخوف عليّ والرثاء لحالي وقد استدرجني الجن إلى الظلام ليتلبسني. في النهاية، بكت أمي واحتضنتني بينما كنت ما أزال مذهولة لقدرتها على فعل كل هذه الحركات وقول كل هذا الكلام والتنفس في آن واحد! كانت في تلك اللحظة عملاقة بالنسبة لي وشديدة العبقرية. غير أن ما جنيته جراء فعلتي كان حرماني من دخول الدولاب وتحت السرير وحقائب السفر إلى الأبد، بلا مبرر مفهوم.

لكن هذا لم يمنعني من ممارسة ألعاب أشد خطورة. ألعاب اضطرت أمي بسببها أن تخلع كل مرايات البيت. فقد كنت ما إن أجد مرآة إلاّ وأقف أمامها. أمد يدي وجانب وجهي ثم أنفجر من الصراخ والبكاء:

عايزة أسلم عليها! عازة أبوسها!

فتقول ماما:

هي مين دي يا حبيبتي؟

صاحبتي إللي في المرايا!

مين!!!

انزعجت أمي ووقع قلبها في رجلها رعباً من مصادقتي لقريني. أما أنا فلم أكف عن البكاء والصراخ شارحة لها:

- كل ما أمد أيدي اليمين عشان اسلم عليها تمد إيدها الشمال عشان تغيظني! وكل ما أحاول أبوسها في خدها تديني بقها وتطلع لي لسانها! أنا ما عملتلهاش حاجة والله يا ماما! هي بتعاملني كدة ليه؟ ليه مش عاوزة تسلم عليّ؟ هي ما بتحبنيش ليه؟ أنا باحبها.

هنا تأكدت أمي أن الأمر جد خطير. وإن بنتها الصغيرة ملبوسة فعلاً. فشعرت أن هذا أمر أكبر من قدراتها على الاحتمال. عند هذا الحد، عرضت الأمر على أبي. لأنني كنت قد انهرت تماماً ورفضت الطعام واللعب بسبب هذا النبذ الاجتماعي الذي تمارسه عليّ صورتي في المرآة. كان ذلك يوم جمعة في الشتاء. لكنه كان مشمساً على غير العادة. دخل أبي حجرتي صباحاً ليوقظني:

صباح الخير يا حبيبتي. قومي. الشمس صحيت من الصبح!

فأجبته بيأس لا مثيل له:

يعني إيه؟ ثم عاودت إدخال رأسي في الغطاء لا أريد أن أرى أو أكلم أحداً. فأشاح أبي الغطاء عن وجهي وقال لي مشاكساً:

يعني ممكن نلعب مع ضلها.

رفعت رأسي إليه بنظرة متسائلة، فرفع أبي يده إلى ضوء الشمس فانعكس ظل يده على الجدار المقابل. مد كفه ثم الكف الآخر بحركات مدروسة بحيث يشبه الظل شكل بعض الحيوانات. وقال:

ده ديب الشمس. ودي غزالة الشمس. الديب بيجرى ورا الغزالة عاوز ياكلها! نعمل إيه عشان الغزالة تهرب من الديب، رغم إن الدنيا شمس وممكن يشوفها في كل حته؟

وأخذ أبي يحرك كفيه في مراوغة وسرعة جعلاني انتبه. فبدأت أنا الأخرى أفكر وأحاول أن أشكل بكفي شيئاً وأرفعه في دائرة الظل والضوء:

وده أرنب يا بابا. ممكن الديب يسيب الغزالة ويجري ورا الأرنب؟"

أنزل أبي كفه التي تمثل الغزالة ضاحكاً ولف الذراع الذي أنزل كفه حول كتفي، مطمئناً لانهماكي في اللعبة ونساني لصديقة المرآة. قال:

وليه لأ!

وانفجرنا حماسة في اللعب، حتى إذا ما اشتبكت يدانا التين تمثلان الذئب والأرنب في عراك الصياد والفريسة ضحكنا ضحك ذئب طيب عجوز يأكل أرنباً ساذجاً سعيداً.

أدركت إذاً شيئاً جديداً. عرفت أن الشمس مثلها مثل الظلمة، يمكن اللعب بها. قال أبي إنني يمكن أن ألعب بالشمس صباحاً إلى الغروب، يعني إلى الوقت الذي ترجع فيه إلى أهلها حتى لا يقلقوا عليها في الظلام. ومع الوقت، تآخيت مع لعبة الشمس، حتى أنني كنت ألعبها ليلاً فأخذت أرسم شموساً كثيرة في كل أركان الحجرة وجدرانها. شموسا أعطيها ظهري ليلاً وألعب بظلها. لكن الأمر اشتد تأزماً. إذ لم تكن شموس الليل مضيئة بما يكفي للعب. الشموس هنا، مرسومة بأقلام فلوريسنت. لكن لا غزالة تظهر ولا ذئب ولا حتى الأرنب الذي رسمته مرة بالظل على الجدار.

عدت أمتنع عن الطعام واللعب وأقضي اليوم كله باكية تحت الأغطية. أخذ أبواي يدفعانني للاستيقاظ دفعاً. لكنني لم أكن أجد أي حافز لذلك. ثم مع الوقت نسي أبواي الأمر واعتبرا أن تكاسلي دلع وسوء تربية منهما لأنهما يجيبان كل طلباتي. هنا بدأت الكوابيس تظهر لي. كنت أصرخ ليلاً لأن "أراجوز على الحيطة بيضحك عليّ". فتهرع أمي إليّ وتبسمل موقدة النور لترى أن هذا الأراجوز ليس إلاّ ملابس الحضانة المعلقة على شماعة الباب. تمصمص أمي شفتيها وتتركني وحدي عقاباً على ما ظنته رغبة مني في لفت الانتباه. لكنني مع الوقت والحزن والرعب بدأت أحاول النوم بعيون مفتوحة. فصرت أرى من التعب أثاث الحجرة يطبق على أنفاسي في الظلام ويتماوج مستعداً للوقوع على رأسي كلما مرت في الشارع سيارة بكشافات عالية الإضاءة. كانت أشباح الشجر في الشارع تطل عليّ من النافذة فأتداخل في الأغطية أكثر.

اشتدت عليّ الحمى والعرق والشحوب والنحولة لكن أحداً لم ينتبه، إلي أن فقدت هذه الذاكرة تماماً وتحولت مع الوقت والحزن واليأس والخضوع إلى تلميذة نجيبة وإبنة طائعة تساهم في ترتيب البيت. ولا أحد يدرك لماذا في المصائف أترك نفسي من الخامسة صباحاً حتى الخامسة مساءً بجلدي كله معرض للشمس يختزنها، وفي الليل أتركه لرطوبة الرمل المبلول والهواء البارد والظلام، صامتة، لا أخبر الكبار الذين لا يفهمون شيئاً، ولا أصادق غير الطبيعة أحداً.

بعد عشرين سنة من ذلك كله، جاءت إليّ أمي بكريم لتفتيح البشرة وإزالة النمش وبالخبر السعيد عن عريس ابن حلال ومتدين من عائلة غنية. قالت:

عشان النمش ده يروح. انتي بقيتي عروسة.

ابتسمت متذكرة دمى الطفولة والمسدسات والطائرات. شكرتها ووضعت الكريم على رف الدولاب. ثم بدأت أحدث نفسي: النمش، بذور الشمس على وجهي التي زرعتها كل هذه السنين لن يحصدها الكريم. ثم بدأت أحدث الكريم: بتعمل إيه في الدولاب؟ بتتفرج على الضلمة؟ ثم عدت لأمي التي قالت عائدة بذاكرتها السعيدة إلى بداياتي:

تعرفي؟ كان المفروض تتولدي أول مارس. لكن باين إنك كنتي بتحبي الضلمة جوة بطني لدرجة خلتك ماتنزليش إلاّ تسعة مارس.

ابتسمت. ابتسامة هادئة وبصوت محايد تعلمته مع مرور الزمن، قلت لها:

آسفة تعبتك معايا تسع أيام زيادة على التسع شهور..باين عليا كنت مشروع حمار وفشل! انتي عارفة الحمار بيولد بعد عشر شهور

حمار يا بنت الكلب! أنا حمار!

لأ أنا.

وبيدي رسمت لها على وجهي أذنين طويلتين وجعلتها تنظر لانعكاس ظلي هكذا على الحائط المقابل للشمس، وبدأن أنهق.

سعاد

 

كأشياء كثيرة يمكنها أن تولد من غيرها ثم تستقل، خرجت شخصية سعاد من جملة لتشق طريقها في رواية كاملة. يقول الكاتب مثلاً: "كانت سعاد تحسن العزف على الاكسيليفون، في ركن حجرتها الصغيرة وسط الريف الأخضر." فتنطلق سعاد رغماً عنه لتختبئ وسط الحقول وتراقب أشكال السحب وتتخيلها حيوانات. تطيِّر طيارتها الورقية في وقت الظهيرة، ولا تطير طائرتها لأنه لا هواء يحملها. أو تصعد سعاد سطح الدار لتصفق للحمام العائد إلى أعشاشه في الغروب وتلوح بالعلم الأحمر. ذلك العلم الذي لن يرمز بالضرورة لشيء على المستوى السياسي أو الفكري. فسعاد لا تجيد السياسة ولا تعرف شيئاً عن الأفكار. سعاد، تحسن تخيل السحب فقط. ومن الجملة الأولى، تملي بذلك شروط وجودها. من جملة:"لا سياسة. لا أفكار. فقط خيال وسحب."

ومثلما يمكن لسعاد أن تخرج من جملة، يمكن لروزال أن تخرج من الجدار الباطني لدرابزين السلم، في آخر دور، من عمارة في حي عشوائي داخل منطقة شعبية مأهولة بالسكان. منطقة كانت سعاد قد انتقلت إليها بعد زواجها من شاب جاء ذات يوم مع أبيه ليشتري أرضاً من والدها. ولما تبادلا النظرات الأولى، عرفت سعاد أنه من نصيبها. لم تفرح ولم تكتئب. كانت كعادتها راضية بالأمر الواقع وممتنة للمقادير التي تدفع بحياتها العملية إلى أن تُصنَع، بما أنها –سعاد- لا تتدخل في أمور كهذه أبداً. فكيف لها أن تتدخل، وهي تعرف أن كل شيء مكتوب، هي، التي ولدت من جملة. فقط تراقب السحب طالما هذه إرادة المؤلف.

 

لم يستطع الزوجان إلاّ تبادل النظرات الأولى. لأن الشاب قد أصيب صغيراً في حادث أفقده الكلام، مما جعل من نظراته وإشاراته حروفاً. لطلب الشاي يصفق مرة، للقهوة مرتين، للجنس ربتة على ركبتها، أو على المقعد الواقع بجواره، ذلك إن لم تكن جالسة.

 

سعاد ومحمود يعيشان من تأجير الأرض التي اشتراها والده من والدها الذي رفع سعرها تعويضاً عن المهر. قال الأب: بيته لا يطل على الشمس، كل الشبابيك تطل على المنور. انسي تماماً موضوع السحاب هذا وارجعي لعقلك. وقالت أمها: ربنا يرزقك بالخلف الصالح يا بنتي. بالولد. ثم أخذ محمود زوجته إلى المدينة.

 

لم تجد سعاد مشكلة كبيرة في مصادقة الجيران ومع بائعة محل البقالة وبائعات سوق الاثنين. كانت تفعل تماماً مثلما تمليه عليها جمل الكاتب. فكيف لها أن تتمرد الآن وهي لا تعرف جيداً السياق الجديد الذي وضعها فيه. تستيقظ في الفجر لتصلي وتنظف البيت وتعد قهوة زوجها. تميل عليه لتوقظه بربتات طويلة متصلة على كتفه. تكبس له ظهره ليصحو. يغتسل ويشرب قهوته بينما تكون هي قد نزلت السوق تشتري خضار الصباح وتأتي له بالسجائر والجرائد. بالجبن واللبن والطعمية السائبة.

 

ولأن الكاتب خلق لسعاد زوجاً دون أن يفهم طبيعته، ذلك لكونه أخرس لا يتحدث عن نفسه، فكر أنه ليس على سعاد أن تغادر البيت وهو نائم، متغاضياً عن تفصيلة شربه للقهوة قبل أن تعود هي بالسجائر. ولأنه –الكاتب- لا يدخن لأنه من أنصار حماية البيئة، لم يكن يدرك أهمية سيجارة الصباح قبل مغادرة السرير، بالنسبة لشاب أبكم يجلس في فراغ البيت طوال اليوم. أما سعاد، فكعادتها صارت راضية بمشيئة الكاتب، غير أن هذا الأمر كان يوتر محمودا الذي ظل يكتم غيظه ولا يعرف كيف يفهم سعاد أهمية هذه السيجارة بالنسبة له، بما أنها هي أيضاً لا تدخن، وإنه لو كتب لها ما يريد قوله فهي لن تفهم، لأن الكاتب جعلها أمية. ولو أطلعت الجيران على الورقة التي سيكتبها لها عن أهمية سيجارة الصباح، فإنهم سيقرؤونها ويعرفون سر البيت ويتناقلونه بطبيعة الحال في منطقة شعبية كهذه.

 

أخذ محمود يحدث نفسه منفعلاً ومحبطاً لكون سعاد تطيع الكاتب أكثر مما تطيعه. وساورته الشكوك في أن هناك تواطؤا ما بينهما ضده. فماذا يمنعها إن لم يكن الأمر كذلك أن تذهب إلى فصول محو الأمية؟ شعر محمود أنه عاجز عن فهم طبيعة هذا التواطؤ. وأنه العاجز، لا يفهمه أحد في هذه القصة. ولا يهتم بأمره أحد. أما سعاد، جدتي، عندما رسب البن كله في القاع ، ولم يشرب محمود، جدي، القهوة وخاصمها لتواطؤها مع الكاتب ضده، وجدت نفسها أمام جدار أبيض وحدها. بسكين المطبخ أخذت تحفر وجوها وأطيافاً على الجدار. ومن وقت لآخر تمر عليها بينما تذهب من المطبخ إلى حجرة النوم، وتنظر إلى سرها الصغير الذي حفرته بسكين برغم أنف الكاتب. وبرغم أنانية زوجها. قالت لي جدتي، وهي قعيدة الفراش في أواخر الثمانينات من عمرها، بعد أن مات زوجها وورثت خرسه من شدة الحزن عليه، قالت بعينيها اللتين أسلمتاني مع طول التحديق فيهما، لغة أفهمها غير الكلام، قالت كانت مهرتها روزال محفورة على جير الحائط الأبيض. وكانت هي، كل ليلة، بعد أن ينام زوجها، وينام الكاتب، تمتطيها عوضاً عن السحب.

ماذا تعني الانثى!

 

 

1- انتحار . الخميس 11 يناير 1996

 

تبدأ الحياة مرة أخرى بعد عاصفة شديدة. كأن يحاول المرء الانتحار مرات متتالية يربطها خيط هستيري من الرغبة في التفتت والانفجار والتلاشي. وعندما تفشل المحاولة، بعد أن يكون المرء قد عاش إغماءة ليومين بعد مرور العاصفة، يفيق كأنه وُلِد مرة أخرى، بخبرة سالفة عليه، يذكِّر نفسه بها في كل لحظة. يتمرد عليها وعلى نتائجها. يهجرها إلى مخاطر جديدة. وعواصف جديدة. خبرة تشبه خبرة الأبوين الذين يجهدان في أن يحقناها في ابنهما ويفشلان. تبدأ حياة جديدة لا ترتبط بالقديمة إلاّ من حيث أن الأولى انتهت حيث بدأت الأخرى، تلك التي تريد أن تغامر مثلها مثل سابقتها. ومثل سابقتها أيضاً تعبرها عواصف وانتحارات وبدايات جديدة. كل الأشياء متشابهة من حيث أنها تبدأ وتنتهي وتتمرد على سابقتها. تأمل فيما يأتي معها وتحقد على الآتي بعدها. للجديد سحر المرغوب، البكر، الذي لم تطأه قدم. للجديد سحر السبق والريادة.. الجديد سرعان ما ننطق به فيتحول إلى ماض. إلى ذاكرة. والذاكرة هي التي تعيش لأنها تقبل بأن تتصف بالقدم برغم أنها تتجدد كل لحظة. والقديم، مازال تأثيره يحيا في تمرد الشخص المتذكر مثلما في حنينه، أو في رغبته في التجديد. والجديد هو طعام الذاكرة الطازج، التي دائماً ما تشتهيه.

عندما سألته عن أخبار عواطفه، قال لها: "لا جديد". كان يبدو عليه السأم، كأنه ميت، بعينين يمتصهما جفناه. نظر إليها. ابتسمت بهدوء. غاص في أحضانها. كانت الحجرة مرتبة نظيفة تبرهن على بصمة أمه المنطبعة داخل المكان. لوى رأسها وضغطها بين فخذيه ففهمت ما عليها أن تفعل. أغمضت عينيها وشدت عضلات فكيها عليه. تساءلت بينها وبين نفسها: متى ستنتهي هذه المهزلة؟! لكنها لم تبادر أبداً بحسم الأمور. كان قد عاد لتوه من البلد. حيث رقدت أمه بجوار أبيه في مثواها الأخير.

 

2- المتاحة والمرغوبة. الجمعة 12 يناير 1996

كانت تجلس بين صديقيها. أحدهما شاعر والآخر مغنٍ. أمامها الطاولة وسور الكازينو، فالنيل. أما الصديقان فكانا يتواجهان والطاولة بينهما. هكذا شغلا ضلعين متوازيين وشغلت هي رأس الطاولة. كان هذا مريحاً للأعصاب.. أن تتأمل مويجات النيل ويستغرقها هذا التحرك البطيء الذي لا ينتهي. كان كل منهما خارجا من علاقة عاطفية أنهتها أنثاه بصورة مؤلمة وقاطعة. كان كل منهما شاردا مع نفسه.

بدأ الشاعر في محادثتها: كانت أول مرة أعمل فيها جنس. كأنها خطفتني وطارت. أنا مش عاوزها. بس صعبان عليّ.

لم تكن تنصت كسابق عهدها. مسحوبة إلى لا شيء. كان رأسها لا يحتمل مكاناً لآخر. عندما شعر الشاعر أنها لا تقول له الجمل التي يريد سماعها تركها وشأنها وأخذ يردد شعره بصوت هامس. عندئذ بدأ المغني دوره في الكلام. محترماً انتظار الشاعر من إنهاء كلامه. قال لها: تعرفي، أخذت تحويشة العمر. الشقة والشبكة والمهر. كل حاجة. مش مهم. في كل الأحوال ماكنتش هاقدر أعيش في الشقة مع حد غيرها. لو هي تقدر بقى، هي حرة. بس أنا صعبان عليّ.

كانت الفتاة جالسة مواجهة للنيل. تبتسم. تحاول أن تمزح متحرجة وغير واثقة من قدرتها هذه الليلة على أن تقول للناس ما يريدون سماعه. فتركها المغني لمزاحها منفعلاً عليها. ثم صمت. فسمع همس الشاعر. وبعد انتهاء الشاعر من الهمس بقصيدته، غنى المغني. وأخذ الاثنان يتناوبان الغناء والشعر والنظر بحماس إلى بعضهما البعض وقد تركا الفتاة تشرب قهوتها. لم يسألها أحد منهما عما بها. ولا عن سبب ارتباكها هذا اليوم. لم يعتد أحد أنها تتكلم عن شيء يخصها. قاطعتهما فجأة قائلة: حلمت بكابوس البارحة. لكن أحداً لم ينتبه.

 

3- الدائرة. السبت 13 يناير 1996

كان الشارع غاصاً بالمارة برغم المطر الشديد المتساقط. كانوا جميعاً يهرولون. أما هي، فكانت متوترة. مرت برجلين كانت تعرفهما، لكنها لم تتعرف عليهما في تلك اللحظة. سألتهما عن مكان الحمام فذهبا معها لإرشادها إليه ووقفا عند الباب. كان المطر يسقط أيضاً في الحمام العمومي ذي الكبائن الأربعة. وما أن يلمس المطر الجدران حتى تصبح لزجة مطاطية. لكن المطر يحافظ على صفته البللورية. كان المنظر جميلا ومخيفا في الوقت نفسه. منظر كاد يجذبها إليه لكنها رجعت ونظرت خلفها، كان الرجلان قد اختفيا وحلت محلهما سيدة في الأربعين ترتدي زياً عسكرياً وملامح وجهها متآكلة يخرج من فمها مخاط أبيض يشبه جير حوائط الحمام وقد حوله المطر إلى مطاط أبيض. قالت السيدة لها: انتي خايفة ليه؟ ده ابني الصغير. هايدخل معاكي.

هنا ظهر فجأة شيء بدين أبيض كالمطاط، أطرافه ضخمة ومتآكلة وكرشه يهبط ويرتفع فرحاً مع قفزاته. كان يقفز ولا يمشي. لم تكن لقدميه سيقان. ازداد فزع الفتاة مخلوطاً بدهشتها وفضولها وترددها. كانت السيدة تشبه أمها. وكانت تطمئنها بلزوجة مرعبة.

اقترب ابن السيدة فجأة من الفتاة بكرشه ورفع يديها من إبطيها كي لا تقاومه. ثم حدث شيء يشبه الصعق بالكهرباء منه تجاهها. كانت لنظرته قسوة وإصرار.

عندما أفاقت من الحلم، لم تستطع التعامل مع أمها ولا أن تذاكر. تركت البيت والمحاضرات وذهبت إلى صديقتها المتدينة التي قرأت على رأسها القرآن ثم تركتها لصديقيها اللذين أرادا محادثتها، ثم صديقها القديم، الذي نفى لها وجود العفاريت وأخذها في حضنه عنوة بعد أن لوى عنقها وأنزل رأسها بين فخذيه.

منذ ذلك الحين، عرفت أن الدوائر التي تسقط كل منها في الأخرى على هيئة دوامة صغيرة نواتها حجر صغير في المركز، قد قررت أن تتخذ من الآن فصاعداً شكلاً حلزونياً.

 

4- تكرار. الثلاثاء 23 يناير 1996

عندما قال لا جديد، عرفت أن جديداً سيبدأ. أسمته جديداً لأنه سيحدث بهدف تجديد شعور ما، أو علاقة ما. ابتسمت ابتسامة ضعيفة لا تتسم بالسعادة. كانت تعرف أن هذه البرقة في عينيه تبحث عن جديد من خلالها، بينما ما يسعى إلى تحقيقه معها، سيحدث فقط "من جديد." التبس الماضي الملتبس من علاقتها بالحاضر الفارغ من العلاقات. والتبس معنى عناقهما الماضي بالعناق "الجديد". وأدركت أن كل ما أراده هو الرجوع إلى الماضي. بحيث يحل الرجوع إلى الماضي محل الحاضر أثناء حدوث الحاضر نفسه. عندئذ، أدركت أنه سيكتب روايات تقليدية، مضفياً عليها مسحة بوليسية للتشويق. وأنه سيفعل من الآن فصاعداً، كل ما كانت أمه رحمها الله تطلبه منه. سيتزوج من فتاة لا تجارب لها. وسينجب ابناً ويسميه يوسف.

كان يحاول تكرار الماضي. هي، جزء من الماضي الآن. لكنها كانت تعرف أنه لم يكن مجرد تكرار للفعل. بل كان الفعل نفسه نقطة انطلاق في الماضي. نقطة رسمت دائرة متصلة لطرفها الآخر من الحاضر. عادة ما تكتمل الدائرة عند التقاء نقطتين تتجه كل منهما زمنياً عكس اتجاه الأخرى. بينما يتكرر الحادث الواصل بين النقطتين. لكن التكرار هنا لم يكن متطابقاً. فلم تكن هناك رغبة من إي منهما في إعادة علاقة مضت. كان فعلهما حدثاً لا يستند إلى شيء غير حدوثه ذاته. ولهذا، لم تكتمل الدائرة. وبدأ الشكل الحلزوني يعبر عن نفسه، فينفر قطبا الدائرة من بعضهما البعض تنافراً يؤكد اشتراكهما في نوع واحد من المغناطيس سالباً كان أو موجباً. لا يهم. فالتقييم مرجأ إلى يوم القيامة.

بعد ان ارتاحا من جسديهما. قالت له:

"أقمت علاقات كثيرة في حياتي. كأني أبحث عن شيء لا أجده كل مرة. وأكرر المحاولة ربما أجده. الأمل شيء خادع جداً. وكأنه شيئ لا يمكنني الشفاء منه أو حتى مجرد اكتشافه إلاّ مع التكرار. تقدر تقول عليّ مجربة."

"لم أستطع أن أحب غيرك. طبعاً تبدو الجملة مثل جمل الكليشيهات, لكن الكليشيهات التي تكررت بحيث فقدت معناها، لا يكون هناك ما يعبر عنا أفضل منها عندما نترك أنفسنا على سجيتها."

كانا يمشيان في شارع مليء بأعمدة النور المطفأة ليلاً. وكانت تضرب بكفها الأعمدة بشكل لا إرادي. كانت الضربة تتكرر. والعمود لم يكن هو ذات العمود.

 

الصفحة الرئيسية | الرواية | القصة | المسرح | الشعر | الخاطرة | أدب الرسائل | المقالة | حكايات آية

 

للاتصال بنا أو إضافة تعليق

 

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2003 Almouhytte حقوق النشر محفوظة لموقع المحيط للأدب